محمود سالم محمد
27
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وهكذا أخذ الشعور الديني ينمو ويشتد ، ليتهيّأ الناس لصد الغزو الصليبي ، فعمل الحكام على تغذية هذا الشعور بتقريب رجال الدين وتشجيعهم ، ليتقرّبوا من العامة ، فبنوا المساجد والمدارس والزوايا ، وأحيوا الاحتفالات الدينية بأنفسهم . وظهر أثر هذا الشعور الديني على مجمل نشاطات الحياة في الدولة المملوكية ، والدول التي سبقتها ، ووصل إلى الأسماء والكنى والألقاب ، فكانت مضافة إلى الدين أو منسوبة إليه . وهذا الشعور هو الذي هيّأ للأجناس المختلفة أن تحيا في مجتمع واحد ، وأن تجاهد معا لدرء خطر الغزوات العاتية ، وأن تواصل بناء الحضارة العربية الإسلامية وإثرائها . مجادلة أهل الكتاب : ظهر التوجه الديني في الأدب ظهورا كبيرا وعميقا ، فكان ينشأ في سبيل الدين ويعكس المشاعر الدينية المتأججة ، ويحمل آثار المناظرات والمجادلات التي كانت تحدث بين فرق المسلمين المختلفة من جهة ، وبين المسلمين وأهل الكتاب من جهة أخرى ، واشتدت هذه المناظرات خلال الحروب الصليبية إذ أخذ المسلمون يدافعون عن دينهم ونبيهم ، ويثبتون له النبوة بدلائل مختلفة ، فصنفوا في ذلك الكتب الكثيرة ، واطلعوا على كتب النصارى واليهود ، ليثبتوا ما يذهبون إليه ، فشاع بينهم مثلا ما نسب إلى كعب الأحبار أنه قال : « تجد مكتوبا - يعني في التوراة - محمد رسول اللّه ، عبد مختار ، لا فظ ولا غليظ ولا صخّاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر . . مولده بمكة ومهاجره بطابة ، وملكه بالشام » « 1 » .
--> ( 1 ) الديار بكري حسين : تاريخ الخميس ص 24 .